ابن تيمية

27

مجموعة الفتاوى

اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا قُدْرَتَهُ لَا عَلَى فِعْلٍ وَلَا عَلَى الْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ وَلَا عَلَى نُزُولِهِ وَعَلَى إنْزَالِهِ مِنْهُ شَيْئاً فَهُمْ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ التَّصْدِيقِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدِيراً لَمْ يَكُنْ قَوِيّاً وَيَلْزَمُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً فَيَلْزَمُهُمْ الدُّخُولُ فِي قَوْلِهِ : { ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } . فَهُمْ يَنْفُونَ حَقِيقَةَ قُدْرَتِهِ فِي الْأَزَلِ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ : أَنَّهُ صَارَ قَادِراً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَالْقُدْرَةُ الَّتِي يُثْبِتُونَهَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا . وَهَذَا أَصْلٌ مُهِمٌّ مَنْ تَصَوَّرَهُ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ وَمَا يَلْزَمُهَا مِن اللَّوَازِمِ وَعَرَفَ الْحَقَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَحِيحُ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحُ الْمَعْقُولِ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ كُلِّ الْأُصُولِ وَالضَّالُّونَ فِيهَا لَمَّا ضَيَّعُوا الْأُصُولَ حُرِمُوا الْوُصُولَ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كُلَّمَا تَحَقَّقَتْ الْحَقَائِقُ وَأَعْطَى النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ حَقَّهُ مِن التَّمَامِ كَانَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ هُوَ الْحَقَّ وَهُوَ الْمُوَافِقَ لِلْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَمْ يَشْتَبِهْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُسَمَّى مَعْقُولاً وَهُوَ مُشْتَبِهٌ مُخْتَلِطٌ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً } قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ فَهُمْ فِي أُمُورٍ مُبْتَدَعَةٍ فِي الشَّرْعِ مُشْتَبِهَةٍ فِي الْعَقْلِ . وَالصَّوَابُ هُوَ مَا كَانَ مُوَافِقاً لِلشَّرْعِ مُبَيَّناً فِي الْعَقْلِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْهُ وَأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْهُ وَأَنَّهُ كَلَامُهُ وَأَنَّهُ قَوْلُهُ وَأَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ وَأَخْبَرَ : أَنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ مِن المَلَائِكَةِ وَرَسُولٍ كَرِيمٍ